في الأردن، تمكين المرأة ليس مجرد شعار: بل هو سياسة
تتحدث شيري ريتسيما-أندرسون، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في الأردن، عن التقدم المحرز والفرص والتحديات في تحقيق المساواة بين الجنسين في الوقت الذي تنفذ فيه الأردن رؤيتها للتحديث الاقتصادي.
قبل بضعة أشهر، سافرتُ لجنوب عمّان إلى المناطق الصناعية في سحاب والموقّر. كان يوم عمل عاديًا: رجال ونساء يصلون إلى نوبات عملهم، ويسجلون حضورهم في المصانع، ويباشرون أعمالهم. ومع ذلك، بينما كنتُ أقف هناك أراقب، أذهلني التحوّل الهادئ الذي كان يحدث.
وقّعت هذه الشركات العاملة في سحاب والموقّر على مبادئ تمكين المرأة، التي وُضعت بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة والميثاق العالمي للأمم المتحدة. تُقدّم هذه المبادئ للشركات إرشادات عملية حول تعزيز المساواة بين الجنسين، لكنّ تأثيرها يتجاوز بكثير مجرّد وثائق السياسات أو الشهادات المعلّقة على الجدران.
ما رسخ في ذهني هو تلك المحادثات. تحدث مديرون وأصحاب أعمال، رجالاً ونساءً، عن توظيف أكثر عدلاً، ومسارات ترقية أوضح، وثقافة تسمح بالتعبير عن الرأي. لم تكن هذه مفاهيم مجردة، بل حقائق يومية شكلها أناس ملتزمون بالتغيير.
غادرت تلك المصانع وأنا أفكر: هكذا يبدو التقدم عندما يكون قائماً على التزام حقيقي ويقوده الناس الذين من المفترض أن يخدمهم.
قصة من نوع مختلف
في أجزاء كثيرة من العالم، ثمة مقاومة مقلقة لمساواة المرأة. وشعار اليوم العالمي للمرأة لهذا العام: "الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات"، لا يبدو انتصاراً بقدر ما هو إلحاح.
في الأردن، لا أرى هذا الرفض. بل أرى شيئاً آخر: حكومة تجعل تمكين المرأة ركيزة أساسية للتنمية الوطنية، لا مجرد إجراء شكلي يُنفذ بتمويل من المانحين. تهدف رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، التي أُطلقت عام 2022، إلى مضاعفة مشاركة المرأة في القوى العاملة من 14٪، وهي من أدنى النسب في العالم، إلى 28٪ بحلول عام 2033. وتعكس هذه الرؤية فهماً عميقاً بأن الاقتصاد الحديث لا يمكنه إهمال نصف السكان.
هذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة للأمم المتحدة. فعندما ندعم الحكومة في مجال المساواة بين الجنسين، فإننا لا نعارض التيار السائد، بل نساهم في تسريع تنفيذ أولويات الأردن.
أمم متحدة واحدة، مساهمات عديدة
بصفتي المنسق المقيم، أشعر بالفخر والاعتزاز لرؤية الأمم المتحدة تعمل ككيان واحد. فريق الأمم المتحدة في الأردن موحد في إعطاء الأولوية لتمكين المرأة، مما يعكس التزام الأمين العام بتحقيق المساواة بين الجنسين في منظومة الأمم المتحدة على مدى السنوات التسع الماضية.
تحت مظلة مكتبي، تعمل كيانات الأمم المتحدة على توحيد الخبرات والموارد، مما يُظهر بوضوح أن المساواة بين الجنسين ليست من اختصاص أي كيان بمفرده، بل هي نتاج قوة العمل الجماعي. وقد دعمت منظمة العمل الدولية إدخال 13 إصلاحًا على الأطر القانونية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين في سوق العمل، بما في ذلك العمل المرن، والمساواة في الأجور، وإجازة الأبوة، إلى جانب إدارة برامج التدريب العملي التي تشكل النساء فيها أكثر من نصف المتدربين.
يُزوّد برنامج "التعلم من أجل الكسب" التابع لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) الشابات بالمهارات المهنية ومهارات ريادة الأعمال. وفي المناطق النائية، يُتيح هذا البرنامج للمجتمعات الوصول إلى المدفوعات الرقمية، ويُوفر سُبل العيش، مما يُخفف الضغط على الهجرة إلى المدن بحثًا عن العمل. أما صندوق الأمم المتحدة للسكان، فيُعنى ببعض الحقوق الأساسية، كالصحة الجنسية والإنجابية، ومنع العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتمكين الفتيات المراهقات. ومن خلال مراكز الشباب المجتمعية والعيادات الصحية التي تُقدم خدماتها للاجئات الأردنيات والسوريات، يُعالج الصندوق الحواجز الاجتماعية والثقافية والفجوات الصحية التي تُعيق تقدم المرأة قبل دخولها سوق العمل بفترة طويلة. ويُعزز برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنظمة الحوكمة والبيانات التي تضمن استدامة كل ذلك.
ليست هذه برامج متوازية تعمل بمعزل عن بعضها. فعندما تُجري منظمة العمل الدولية إصلاحات على قانون العمل، تدعم هيئة الأمم المتحدة للمرأة الشركات في تطبيقها. وعندما تصل اليونيسف إلى شابة لتقديم التدريب على المهارات، يكون صندوق الأمم المتحدة للسكان قد عالج في كثير من الأحيان العقبات التي كانت ستمنعها من المشاركة. هذا التماسك هو ثمرة استثمار مستمر في كيفية عمل الأمم المتحدة بشكل متكامل.
القطاع الخاص كشريك، وليس مجرد فكرة ثانوية
وهذا يقودني مجدداً إلى تلك المصانع. بحلول عام 2025، وبدعم من الأمم المتحدة، تبنت 256 شركة في الأردن مبادئ تمكين المرأة، ممثلةً أكثر من 100 ألف موظفة. وقد تلقت هذه الشركات إرشادات حول التوظيف العادل، والتسويق الشامل، ومنع التحرش. وقد وظفت الشركات الموقعة أكثر من 5000 امرأة في عام واحد فقط، أي ما يعادل 56٪ من إجمالي موظفيها الجدد. وارتفعت نسبة تمثيل المرأة في المناصب الإشرافية إلى 32٪، وإلى 48٪ في مجالس الإدارة التنفيذية.
أظهرت لي زيارتي لشركتي سحاب والموقر أن الأثر يتجاوز مجرد الأرقام. فالمبادئ تُرسّخ لغة مشتركة، وخارطة طريق عملية، وشبكة من النظراء الذين يسعون لتعزيز المساواة بين الجنسين. وبالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى إدارات الموارد البشرية أو فرق التنوع، فإنها تُقدّم إرشادات عملية تُساعدها على تلبية احتياجاتها أينما كانت. وانضمام غرفة التجارة الأردنية، وغرفة الصناعة، وبورصة عمّان إلى هذه الشبكة يُشير إلى أن الشركات تنظر إلى تمكين المرأة كفرصة، لا كعبء.
الحقوق والقوانين هي الأساس
إن التقدم المستدام يتطلب أكثر من مجرد حسن نية أصحاب العمل. إنه يحتاج إلى بيئة قانونية وسياسية تُمكّن من المشاركة في جميع جوانب الحياة العامة.
في عام 2024، حقق الأردن تقدماً تاريخياً في التمثيل السياسي، حيث فازت النساء بنسبة 19.5% من مقاعد البرلمان، متجاوزات بذلك النسبة السابقة البالغة 13.8% والمعدل الإقليمي. وجاء هذا الإنجاز عقب إصلاحات الانتخابات والأحزاب السياسية التي أُجريت عام 2022، وجهود التوعية المستمرة التي بذلتها المؤسسات الوطنية والمجتمع المدني والأمم المتحدة. وقد وصلت حملة توعية وطنية للناخبين، بدعم من الأمم المتحدة، إلى أكثر من خمسة ملايين شخص في جميع أنحاء المملكة.
على الصعيد الاقتصادي، يُلزم تعميم الميزانية الصادر عن رئيس الوزراء لعام 2025 الجهات الحكومية بتطبيق منظور المساواة بين الجنسين في ميزانياتها، وإعطاء الأولوية للبرامج المخصصة للنساء والفتيات. وقد دعمت الأمم المتحدة هذا العمل، من خلال تحسين التعاميم، وتطوير الأدوات، والتعاون مع تسع وزارات رائدة لإدراج مؤشرات المساواة بين الجنسين في ميزانياتها لأول مرة. ولا يقتصر هذا على دفع عجلة التقدم من خلال المشاريع فحسب، بل يشمل تغيير الأنظمة بأكملها لصالح الأجيال الحالية والمستقبلية.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات. فالعوائق الهيكلية - مثل مشاركة المرأة في القوى العاملة، وتوفير رعاية الأطفال، والنقل الآمن، والأعراف الاجتماعية، والثغرات القانونية - تتطلب جهوداً مستدامة ومتعددة القطاعات.
الطريق إلى الأمام: النطاق والأنظمة والتضامن
لا يكمن دور الأمم المتحدة في الأردن في وضع جدول الأعمال، فقد فعل الأردن ذلك بنفسه. دورنا هو تسريع التنفيذ، وتوسيع نطاق العمل، وتوفير الأدلة اللازمة لسياسات أكثر فعالية لا تُهمل أحداً.
إن التقدم جارٍ، بدءًا من المصانع في سحاب والموقر وصولًا إلى أروقة السلطة، حيث تُترجم الشراكات القوية بين الأمم المتحدة والجهات الوطنية النظيرة رؤية الحكومة إلى أثر ملموس على أرض الواقع. وأنا ملتزم بضمان استمرار الأمم المتحدة -بكل أعضائها- في دعم الأردن لتحقيق طموحه في خدمة جميع النساء والفتيات.
كتبت هذه المدونة شيري ريتسيما-أندرسون، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في الأردن. يرجى زيارة موقع فريق الأمم المتحدة الإلكتروني للاطلاع على المزيد من المعلومات حول عمل الأمم المتحدة في الأردن.