من الأحلام إلى الواقع: كيف تُسهم رائدات الأعمال في تعزيز السلام في جنوب ليبيا
مريم هي واحدة من بين 67 رائدة أعمال تلقين دعماً في إطار مشروع لبناء السلام، قام بتدريب ما يقارب 3,000 شاب وشابة، ومكّن 92 امرأة من الانخراط في ريادة أعمال إيجابية تعزز السلام، كما أسهم في تعزيز الهياكل المحلية المعنية ببناء السلام.
في ظل سنوات من محدودية الوصول إلى التمويل، وضعف القطاع الخاص، والضغوط الاقتصادية العميقة، تتقدم نساء جنوب ليبيا اليوم كقوة دافعة للتغيير. فمشاريعهن لا تسهم فقط في إعالة أسرهن، بل تعزز أيضاً الروابط المجتمعية وتدعم مسارات السلام والاستقرار على المدى الطويل.
مريم، البالغة من العمر 20 عاماً، هي إحدى هذه النماذج الشابة الرائدة. تنحدر من مدينة أوباري، وهي واحة تقع في جنوب شرق ليبيا. وبعد إتمامها المرحلة الثانوية، كانت تتطلع إلى العمل، إلا أن الفرص المتاحة للنساء كانت محدودة. فارتفاع معدلات البطالة، وضعف الاعتراف بمساهمات النساء الاقتصادية، واستمرار الصور النمطية، جعلها عرضة للتهميش.
بناء القدرات عبر مبادرة “دراية” لريادة الأعمال – غات
عندما علمت مريم من إحدى جاراتها بوجود مشروع ممول من صندوق الأمم المتحدة لبناء السلام (PBF) يقدم تدريباً مهنياً وتدريباً في مجال ريادة الأعمال، سارعت بطلب إذن والديها للالتحاق به.
وقالت إن التحاقها بمدرسة تدريب الطهي كان مدفوعاً بـ:
“رغبة قديمة في إنشاء مشروعي الخاص… وتعلّم كيفية تأسيسه. كان دافعي هو السعي إلى تطوير ذاتي وتحقيق استقلاليتي.”
بناء السلام من خلال سبل العيش
يمثل هذا المشروع، الممول من صندوق الأمين العام للأمم المتحدة لبناء السلام بقيمة 5 ملايين دولار، والمنفذ بالشراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، أول مبادرة من نوعها تجمع بين بناء السلام وتعزيز سبل العيش في جنوب ليبيا.
وقد أسهم المشروع في إنشاء لجان محلية لبناء السلام والتنمية، إلى جانب توسيع فرص كسب العيش المستدامة، لا سيما للنساء والشباب.
وأكد أعضاء اللجان المحلية لبناء السلام والتنمية أن المشروع أظهر:
“معرفة واسعة في عدة مجالات رئيسية، أبرزها تمكين الشباب وخلق فرص العمل، وتعزيز السلم المجتمعي والتماسك الاجتماعي، مع تركيز واضح على التنمية الاقتصادية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية المستدامة.”
في بلديات سبها، وغات، وأوباري، تلقى أكثر من 400 شخص تدريباً في مهارات مرتبطة بسلاسل القيمة الزراعية والغذائية، إلى جانب حصولهم على دعم نقدي لمدة شهرين. ومن بين هؤلاء، تم اختيار 200 مشارك للمشاركة في تدريب متخصص في ريادة الأعمال، شمل أيضاً وحدات تدريبية تساعد النساء والشباب على فهم وإدارة الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة داخل مجتمعاتهم.
وتعلم المشاركون، على سبيل المثال، كيف يمكن لبعض الممارسات التجارية أن تؤجج التوترات أو تسهم في تخفيفها، من خلال أمثلة عملية توضح كيفية إدارة النزاعات وتعزيز الوصول العادل والشامل إلى الأسواق والموارد.
وقد حصل 67 مشاركاً على منح عينية لإطلاق مشاريعهم الخاصة، وكانت مريم من بينهم.
مشروع صغير… وأثر كبير
بفضل المهارات الجديدة والمعدات التي تلقتها، افتتحت مريم مخبزاً صغيراً متخصصاً في المعجنات المالحة، وهو مشروع بدأ بالفعل في تحقيق دخل مستدام وبناء ثقتها بنفسها.
وقالت:
“نتيجة لهذا المشروع، أشعر اليوم بقدر أكبر من الأمان. لقد لبّى احتياجات النساء والشباب وعزز الاستقرار. ومع تحسن الظروف المعيشية وزيادة فرص العمل، أصبح هناك شعور متنامٍ بالأمان والطمأنينة داخل المجتمع.”
أثر متنامٍ في جنوب ليبيا
إلى جانب قصص النجاح الفردية، حقق المشروع نتائج ملموسة على مستوى المنطقة:
تدريب 2,879 من الشباب والمراهقين، 44% منهم من الشابات.
استكمال 92 امرأة تدريباً مهنياً وتجارياً، وتزويدهن بحقائب أدوات لبدء أنشطة مدرة للدخل.
توسيع منظومة ريادة الأعمال من خلال جلسات توعوية (218 مشاركاً)، وفعاليات “عطلة نهاية الأسبوع للشركات الناشئة” (98 شاباً و60 امرأة)، وهاكاثونات (15 شاباً و13 امرأة).
تدريب 58 من الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، حصل 30 منها على دعم مالي للنمو.
تدريب 32 مدرباً تقنياً ضمن نهج “تدريب المدربين” لتعزيز جودة واستدامة التدريب المهني.
حصول 43 موظفاً من مراكز التدريب التقني والمهني، 30% منهم من النساء، على تدريب في الإدارة والقيادة لتعزيز جودة تقديم الخدمات.
تسهم هذه الاستثمارات في تمكين الشباب والنساء من توليد الدخل، والحد من التوترات المجتمعية، وتعزيز الثقة في المؤسسات المحلية — وهي عناصر أساسية لاستدامة السلام.
السلام يبدأ من الفرص
تفخر مريم بالمهارات الإدارية والإبداعية والمهنية التي اكتسبتها، وبالأثر الإيجابي الأوسع الذي تراه في مجتمعها. فمشروعها لا يدعم الاقتصاد الزراعي المحلي فحسب، بل يعزز أيضاً توافر المنتجات المحلية عالية الجودة، ويسهم في صون التراث الغذائي من خلال إحياء الممارسات التقليدية.
وتختتم قائلة:
“لقد ساهم التدريب في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والتعاون بين أفراد المجتمع. كما أوجد فرص عمل، وقلّل من التوترات الاجتماعية، وعزز الهوية المجتمعية — وكلها عوامل تسهم في ترسيخ السلام والاستقرار.”
المقالة الأصلية نُشِرَت لأول مرة على موقع الأمم المتحدة لبناء السلام. يرجى زيارة الموقع الإلكتروني لفريق الأمم المتحدة للحصول على مزيد من المعلومات حول عمل الأمم المتحدة في ليبيا.