عندما يمنح الفنُّ صوتًا للصمت: شبابٌ يُحوّلون مسار النضال ضدّ العنف واللامساواة
على الركح، يروي فنانون شباب قصص العنف، والعبء غير المرئي، وثقل المعايير الاجتماعية، محوّلين المشاعر والإبداع إلى طاقة تعبئة وحراك. خلال السنوات الأخيرة، وضعت عديد المبادرات المدعومة من الأمم المتحدة في تونس الفنّ في صميم الانخراط المجتمعي، كاشفةً عن الدور المحوري للشباب في بناء مجتمعات أكثر عدلاً ومساواة.
من بين هذه المبادرات، يبرز الفيلم القصير «ما وراء الواقع / Beyond Reality»، من إنتاج هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تونس وإخراج بشير الزاين، كخطوة مفصلية بدعم مالي من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية (AECID). أُطلق الفيلم سنة 2024 بمناسبة العيد الوطني للمرأة التونسية، وعُرض لأول مرة بمدينة الثقافة بتونس ضمن مشروع «تونس، مدينة آمنة للنساء والفتيات». يروي هذا العمل المؤثر قصة حياة، شابة تواجه أشكالًا متعددة من العنف: الجسدي والجنسي والنفسي والرقمي، مبرزًا القوة التحويلية للإبداع الفني كأداة للتوعية والمناصرة والتعبئة الجماعية. ولم يقتصر صداه على المستوى الوطني، إذ تم اختياره وعرضه في عدة مهرجانات دولية، من بينها أيام قرطاج السينمائية، وHuman Screen Festival، وWorld Urban Forum، وRome Prisma Film Awards، وDubai Independent Film Festival، وMadrid Film Festival، وParis Short Film Festival.
في الكاف وقابس، وفي أزقة المدينة العتيقة بتونس، فُتحت مساحات فنية أخرى. فقد أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في جانفي 2025 الإقامات الفنية «Production Invisible: 8:45 – Dare to Care» ضمن مبادرتها الرائدة «Dare to Care»، بالشراكة مع وزارة الشباب والرياضة، لدعوة فنانين شباب إلى استكشاف صمتٍ آخر: صمت العمل غير مدفوع الأجر في مجال الرعاية. على مدى أيام، عمل الفنانون والمرشدون على تفكيك الصور النمطية وتحويل المعطيات والتجارب الحياتية إلى أعمال فنية نابضة. في الكاف، كشفت مسرحية «Intouchables» عن العبء الذهني الذي تتحمله النساء، وأثارت نقاشات صريحة مع الجمهور. في قابس، طرح عمل الراب «Wisdom» تساؤلات حول نماذج الرجولة ودعا إلى تقاسم عادل للمسؤوليات. أما في تونس، فقد جسدت المعرضة الغامرة «Women Carry War in Their Bodies» آثار العنف واللامساواة على الأجساد والحيوات.
في 8 مارس، اجتمعت كل هذه الأصوات في عرض جماعي بعنوان «Production Invisible 8:45»، مزج بين المسرح والراب والفنون البصرية لفضح لا مرئية عمل الرعاية. ومنذ ذلك الحين، تجوب هذه الأعمال المهرجانات والجامعات والمراكز الثقافية، محوّلة الجمهور من متلقٍ سلبي إلى مشارك فاعل يناقش ويتفاعل ويعيد التفكير.
من الشاشة الكبيرة إلى المسارح الجهوية، ومن المهرجانات الدولية إلى مدرجات الجامعات التونسية، تنبض هذه المبادرات بطاقة واحدة: تحويل الفن إلى مساحة يُكسر فيها الصمت، ويتجسد فيها غير المرئي، وتصبح فيها الشباب فاعلة حقيقية في صناعة التغيير.
بعد أشهر قليلة، وفي فضاء مسرحي آخر بتونس، عاد المسرح ليصبح أداة للفهم والوقاية والتغيير. بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان والمعهد العربي لحقوق الإنسان، تمّ تكوين مجموعة من الممثلين والممثلات الشباب حول العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسّر بالتكنولوجيا، مثل التحرش الإلكتروني، ونشر الصور الحميمية دون موافقة، والابتزاز الرقمي.
ومن هذا الوعي وُلدت مسرحية «ما يجمعنا»، بإخراج وليد العيادي، وقد كُتبت بالاستناد إلى شهادات حقيقية. قُدّمت أمام نحو 150 متفرجًا، ووضعت الجمهور في قلب مواقف مألوفة أحيانًا، مزعجة أحيانًا أخرى، وغالبًا ما يلفّها الصمت. ويؤكد وليد العيادي: «المسرح هو مفتاح الفهم والتغيير».
تمّ تقديم العرض في عدة فضاءات للوصول إلى جمهور أوسع خلال حملة الـ16 يومًا لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وأوضحت الدكتورة ريم الفيالة، رئيسة مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان بتونس: «العنف القائم على النوع الاجتماعي المُيسّر بالتكنولوجيا لا يقتصر على العالم الرقمي؛ فالحيّز المادي خارج الإنترنت جزء لا يتجزأ من هذه الحقيقة. من الضروري معالجة هذه الإشكالية في بُعديها معًا». وأضافت أن الفن يبرز هنا كقوة تحويلية: أداة للوقاية، ومحفّزًا للتوعية، ومحركًا للتغيير الاجتماعي، وفي تقاطع هذه الديناميكيات تكتسب مسرحية «بينتنا رابط» معناها وسبب وجودها.
ومع اقتراب عام 2030، تؤكد هذه المبادرات أن أهداف التنمية المستدامة لا تكتسب معناها إلا حين تُترجم إلى واقع ملموس: فالمساواة بين الجنسين، والتعليم الجيد، وبناء مجتمعات شاملة، تتحقق عندما يبدع الشباب ويسائلون ويحرّكون المجتمع.
نُشرت هذه القصة في الأصل من قبل فريق الأمم المتحدة في تونس. يرجى زيارة موقع الفريق الإلكتروني لمزيد من المعلومات حول عمل الأمم المتحدة في تونس.