تسخير مراكز البيانات لخدمة التنمية
يستكشف دينيس سوبوتنيتسكي وكاتارينا كواي، مسؤولا التنمية المستدامة في نظام المنسق المقيم، كيف يمكن للدول إدارة مخاطر وفرص التنمية التي توفرها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مع تزايد أهميتها في المجتمعات المحلية.
قد يكون الذكاء الاصطناعي افتراضيًا، لكن البنية التحتية التي تدعمه حقيقية تمامًا. فمراكز البيانات الضخمة التي تُشغّل الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى أراضٍ ومياه وكميات هائلة من الكهرباء تُوفّر باستمرار على مدار الساعة. ولكن إذا لم تُبنَ مراكز البيانات مع مراعاة التنمية المحلية، فقد تُحرم المجتمعات من فوائدها، وقد تدفع تكاليف كهرباء أعلى في ظل موارد أقل.
يمثل هذا الأمر تحدياً يجمع بين الجوانب التنسيقية والتقنية؛ إذ يمس إنشاء مركز بيانات مجالات تنموية متعددة في آن واحد، بدءاً من الطاقة والمياه والبيئة، ووصولاً إلى التمويل والتعليم وفرص العمل. ومع ذلك، فإن الحد من هذه المخاطر يتطلب حلولاً مبتكرة.
التعامل مع المخاطر وتعظيم الفوائد
يمكن إنشاء مركز البيانات في فترة تتراوح بين عام واحد وثلاثة أعوام، في حين قد يستغرق إنشاء خطوط نقل جديدة ما بين خمسة إلى خمسة عشر عاماً؛ مما يدفع المستثمرين إلى بناء محطات طاقة مخصصة قد تعمل بشكل منفصل عن الشبكة الوطنية.
وبالنسبة للسكان القاطنين بالقرب من موقع المركز، فإنه ينافسهم على الأراضي والمياه (اعتماداً على آلية التبريد المستخدمة)، وهي موارد قد تكون شحيحة أصلاً في تلك المناطق. كما قد يؤدي المركز إلى رفع تكاليف الكهرباء على بقية المستهلكين إذا تم تحميل تكلفة الشبكة المُنشأة لخدمته على جميع المشتركين، وليس على مركز البيانات وحده. وعلاوة على ذلك، قد يتم إنشاء المركز دون مشاورات كافية إذا اقتصرت المفاوضات على الهيئات الوطنية والشركات التي تتولى بناء المنشأة وتمويلها.
ويمكن للدول الحد من هذه المخاطر من خلال إدراج شروط محددة ضمن اتفاقياتها مع الشركات، بدلاً من التفاوض عليها لاحقاً. إذ تستطيع الحكومات إلزام المطورين بدفع حصة عادلة من تكاليف تحديث الشبكة التي تتطلبها منشآتهم، وتوظيف وتدريب الكوادر المحلية. ومن خلال الاعتماد على تقديرات واقعية لحجم استهلاك المركز الفعلي للكهرباء، يمكن الاتفاق مسبقاً على ألا تقع أعباء تكلفة السعة غير المستخدمة أو تحديثات الشبكة الإضافية على كاهل الأسر والشركات الصغيرة.
وفي حال إدارته بشكل جيد، يمكن لمركز البيانات أن يصبح "عميلاً رئيساً" (أي مشترياً كبيراً وموثوقاً للكهرباء)؛ حيث يساهم طلبه طويل الأجل في تبرير إنشاء خطوط جديدة لنقل الطاقة وتخزينها وتوليدها، مما يعود بالنفع على بقية المستهلكين أيضاً.
فعلى سبيل المثال، تشترط أيرلندا - التي تستهلك فيها مراكز البيانات حالياً 23% من إجمالي الكهرباء الموزعة عبر الشبكة (ارتفاعاً من 5% في عام 2015) - على المنشآت الجديدة توفير قدرات موازية لتوليد الطاقة أو تخزينها. كما تُلزمها بتلبية ما لا يقل عن 80% من احتياجاتها السنوية من الكهرباء عبر مشاريع جديدة للطاقة المتجددة تُقام داخل أيرلندا، وليس من خلال مزارع طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية التي تغذي بقية المستهلكين بالفعل. ومن جانبها، تربط ماليزيا حوافز الاستثمار بمعايير كفاءة استخدام الطاقة والمياه، وتوجه المشاريع بعيداً عن المناطق التي تعاني من شح المياه.
تتسم هذه القاعدة بالثبات: لقد أصبحت سياسة الاستثمار الرقمي بمثابة سياسة لقطاع الكهرباء، والعكس صحيح.
دور الأمم المتحدة
لقد أدرج "الميثاق الرقمي العالمي" التحول الرقمي الشامل والمستدام ضمن الأجندة الدولية، بما في ذلك الاستخدام المسؤول للموارد طوال دورة حياة التقنيات الرقمية. ومع ذلك، وفي الوقت الذي تحيي فيه الحكومات "يوم الأمم المتحدة للتعاون الرقمي"، فإن العديد من القرارات التي تحدد البصمة المادية للذكاء الاصطناعي تُتخذ فعلياً من خلال العقود، والتراخيص، وحزم الحوافز.
ومن خلال نظام المنسقين المقيمين، تعمل فرق الأمم المتحدة القطرية على الجمع بين هيئات الاستثمار والجهات المعنية بالشؤون الرقمية من جهة، والهيئات الحكومية المسؤولة عن قطاعات الطاقة والمالية والبيئة من جهة أخرى. ويساعد المنسقون المقيمون في الربط بين هذه المؤسسات، مستفيدين من الخبرات الفنية لوكالات الأمم المتحدة لتوجيه مسارات التنمية ونتائجها منذ مراحلها المبكرة.
ففي ليسوتو، تدعم الأمم المتحدة الحكومة في حشد المؤسسات اللازمة للمضي قدماً في تنفيذ "الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي" و"مخطط مراكز البيانات"، وذلك عبر الربط بين طموحات الذكاء الاصطناعي وخطط تطوير البنية التحتية والمهارات. وفي أغسطس 2026، عُقدت ورشة عمل مشتركة جمعت مسؤولين معنيين بقطاعات الطاقة والمياه والبيئة والتعليم والمالية والتجارة، وذلك بدعم من مكتب الأمم المتحدة للتقنيات الرقمية والناشئة وشركاء آخرين. وقد اختُتمت المناقشات بالعمل على وضع خارطة طريق للتنفيذ، مما يساعد في ربط الأولويات الرقمية بخطط التنمية الوطنية الشاملة.
ثلاثة أسئلة يجب طرحها قبل توقيع العقود
ما الذي يميز المشروع الذي يكتفي باستهلاك الطاقة عن ذلك الذي يساهم في بناء نظام كهرباء أفضل؟ إليك ثلاثة أسئلة عملية:
من يتحمل تكلفة القدرة الإنتاجية الجديدة للطاقة؟ قد يتواجد عملاء مركز البيانات في أي مكان في العالم، لكن محطة توليد الكهرباء وخطوط النقل التي أُنشئت لخدمته تقع محلياً. وفي بعض الأحيان، يطلب المطورون من الحكومات ضمان دفع تكاليف القدرة الإنتاجية للطاقة حتى لو استهلكت المنشأة كميات أقل مما كان مخططاً له. ورغم أن مثل هذه الوعود قد لا تظهر في الميزانيات الحكومية كديون عامة، إلا أنه في حال انخفاض الطلب، قد تقع التكاليف المترتبة على ذلك على عاتق الميزانيات العامة أو مستهلكي الكهرباء الآخرين. لذا، فإن الالتزامات تكون أكثر أماناً إذا نُفذت على مراحل تتزايد مع ظهور الطلب الفعلي، كما ينبغي أن يحدد الاتفاق مصير محطة الطاقة وخطوط النقل في حال إغلاق المنشأة.
كيف ستندمج المنشأة في نظام الكهرباء؟ يمكن لبعض مراكز البيانات تحويل أحمال العمل المرنة أو استخدام البطاريات لتقليل الطلب على كهرباء الشبكة عندما يكون النظام العام تحت الضغط. وهذا أمر مهم للأسر؛ فوجود عميل كبير يقلل من سحبه للطاقة في أوقات الذروة يقلل من احتمالية انقطاع التيار الكهربائي في أماكن أخرى. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) إلى إمكانية تركيب أنظمة تخزين بالبطاريات بقدرة تتراوح بين 20 و25 جيجاوات في مراكز البيانات بحلول عام 2030، مما قد يساعد في تخفيف الضغط على الشبكة. وينبغي للحكومات تحديد مناطق ملائمة بناءً على توفر الطاقة وسعة الشبكة وكابلات الألياف الضوئية والمياه، وإدراج توقعات واقعية للطلب ضمن خطة الكهرباء.
ما الذي سيتركه هذا الاستثمار وراءه؟ يكمن المعيار الحاسم في مدى إمكانية استخدام البنية التحتية التي أُنشئت لمركز البيانات - من خطوط طاقة وأنظمة تخزين وتوليد - لخدمة الشركات المحلية والمرافق العامة والمجتمعات المحيطة. وتكشف ورقة حديثة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن منشأة نموذجية بقدرة 100 ميجاوات توفر حوالي 500 فرصة عمل في مجال البناء لمدة عامين أو ثلاثة، وتخلق قوة عاملة دائمة قوامها نحو 50 موظفاً. والأهم هو ما إذا كان المشروع يعزز الاقتصاد الأوسع نطاقاً، من خلال توفير طاقة أكثر موثوقية، وإشراك موردين محليين، وتنمية المهارات التقنية، وتوفير قدرات حوسبة يمكن للمؤسسات العامة الاستفادة منها فعلياً. ويمكن لمطوري مراكز البيانات تحمل تكاليف ربط عدد متفق عليه مسبقاً من المنازل والمدارس والعيادات في المنطقة المضيفة بالشبكة الوطنية، أو توفير قدرات حوسبة مخصصة للجامعات والمستشفيات الوطنية بأسعار متفق عليها.
يتجاوز أثر مراكز البيانات بكثير مجرد قياسات الميغاواط والأرقام الواردة في الميزانيات المالية؛ فالبنية التحتية التي تغذي اقتصاد الذكاء الاصطناعي -عندما تُخطط لتكون جزءاً لا يتجزأ من منظومات الطاقة والتنمية الوطنية بدلاً من أن تكون مجرد كيان موازٍ لها- يمكن أن تساهم أيضاً في دعم وتنمية المجتمعات التي تُقام فيها. وتوفر المراجعة رفيعة المستوى لـ "الميثاق الرقمي العالمي" المقررة عام 2027 فرصةً لطرح قضايا البنية التحتية هذه على طاولة النقاش العالمي؛ إذ ستسهم القرارات المتخذة اليوم بشأن العقود الوطنية واتفاقيات الربط في تحديد ما إذا كانت الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي ستحقق فوائد تنموية أوسع نطاقاً.