أدوات القرن الحادي والعشرين لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين: كيف تبتكر الأمم المتحدة لمواكبة تحديات اليوم
التحديات الإنمائية العالمية ليست مجرد اتجاهات مجردة، بل إنها تؤثر في القرارات اليومية المتعلقة بسبل العيش، والموارد، والتعليم، والفرص.
وفي ظل النزاعات، واتساع أوجه عدم المساواة، والصدمات المناخية، والكوارث التي تقوض سنوات من المكاسب التي تحققت بشق الأنفس، تجد البلدان النامية، التي تواجه بالفعل أعباء ديون ثقيلة، نفسها مطالبة بتحقيق المزيد بموارد أقل.
وفي الوقت الذي تتعامل فيه البلدان مع هذه الوقائع الصعبة، يتزايد اعتمادها على البيانات، وأدوات الاستشراف، والتكنولوجيات الرقمية لتحديد المخاطر في وقت مبكر، وتوجيه الموارد بصورة أكثر فعالية، والاستعداد لمواجهة الصدمات.
تسخير التنسيق لتحقيق أثر أكبر
ويواكب جهاز الأمم المتحدة الإنمائي هذا التطور.
ففي عام 2017، أطلقت الأمم المتحدة إصلاحات طموحة لإحداث تغيير جذري في الطريقة التي يعمل بها جهازها الإنمائي مع البلدان. ويُظهر التقرير الذي نشره الأمين العام مؤخراً بشأن تنفيذ الاستعراض الشامل للسياسات الذي يُجرى كل أربع سنوات (QCPR) أن هذه الإصلاحات عززت الاتساق بفعالية، وأسهمت في تحقيق آثار ملموسة في حياة مئات الملايين من الأشخاص حول العالم.
وبعد مرور ما يقرب من عقد من الزمن، أصبحت الحاجة إلى هذه الرؤية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فعلى الرغم من أن الحكومات أفادت بارتفاع مستويات رضاها عن الدعم الذي تتلقاه، واجه نظام المنسقين المقيمين فجوة تمويلية بلغت 46 مليون دولار في عام 2025.
ووفقاً للتقرير السنوي لرئيس مجموعة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (UNSDG) يوافق 93 في المائة من الحكومات على أن المنسقين المقيمين يوفرون قيادة أقوى، بزيادة تقارب 30 نقطة مئوية مقارنة بعام 2019.
ويتمثل جانب من هذا الدعم في أن مكاتب المنسقين المقيمين وأفرقة الأمم المتحدة القطرية لم تعد تقتصر على أداء دور التنسيق فحسب، بل أصبحت أيضاً حاضنات للابتكار.
ومن خلال مبادرة الأمم المتحدة 2.0 ، تعمل الأمم المتحدة على بناء قدرات جديدة في مجالات البيانات، والتكنولوجيا الرقمية، والابتكار، بما يمكّنها من دعم البلدان في الاستجابة للتحديات بقدر أكبر من الفعالية.
التفكير على نطاق أوسع وبطموح أكبر
في ظل تزايد ترابط التحديات الإنمائية وتسارع وتيرتها، تسعى الحكومات إلى تحسين قدرتها على تحديد الأولويات، وتخصيص الموارد، وصياغة أوجه الدعم بالتعاون مع الأمم المتحدة وشركائها.
وتحت قيادة المنسقين المقيمين، طبّق 84 في المائة من أفرقة الأمم المتحدة القطرية نُهجاً مبتكرة في أطر التعاون الخاصة بها خلال عام 2025، مقارنةً بـ 68 في المائة في عام 2021. وتسهم هذه النُهج في تمكين البلدان من تجاوز الاستجابات قصيرة الأجل.
فعلى سبيل المثال، أتاح تحليل استشرافي أُجري في كازاخستان تحديد المخاطر المرتبطة بالاعتماد على النفط، مما أسهم في تعزيز التركيز على تنويع الاقتصاد.
وفي المملكة العربية السعودية، ساعدت الرؤى السلوكية في تحديد مشاريع منخفضة التكلفة وعالية الأثر، قادرة على تسريع التقدم في تحقيق الأولويات الوطنية.
وفي غواتيمالا، أسفر تحليل للمخاطر عن زيادة بنسبة 113 في المائة في الإنفاق على الحد من مخاطر الكوارث.
ولدعم هذا العمل على الصعيد العالمي، يجري مكتب الأمم المتحدة لتنسيق التنمية اختبار منصة "ذكاء التصميم"، التي تجمع بين البيانات، والتحليلات، والذكاء الاصطناعي لدعم تحليل الأوضاع على المستوى القطري والتخطيط.
وتتمثل النتيجة في توفير دعم أكثر آنية واستشرافاً للمستقبل، بما يساعد الحكومات على معالجة التحديات الناشئة قبل أن تتحول إلى أزمات.
بناء الثقة من خلال الشفافية ونزاهة المعلومات
ومع تسارع التحول الرقمي في البلدان، تزداد أهمية ضمان أن تظل المعلومات دقيقة، ومتاحة، وجديرة بالثقة.
كما يركز دعم الأمم المتحدة على توظيف المنصات الرقمية لتعزيز الثقة والمساءلة من جانب الحكومات، والحفاظ على ثقة الجمهور.
وتتيح منصة UN INFO للحكومات والشركاء متابعة التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة على المستوى القطري، من خلال تجميع البيانات الواردة من مختلف مكونات جهاز الأمم المتحدة الإنمائي.
وتوفر مجموعة متنامية من لوحات المعلومات وبوابات البيانات إمكانية تتبع النتائج المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، فضلاً عن إتاحة رؤية أوضح لكفاءة عمليات الأمم المتحدة وكيفية استخدام الموارد.
وتسهم التحسينات المستمرة على هذه الأنظمة، بما في ذلك تعزيز تبادل البيانات، وتحسين سير العمل، وتطوير واجهات أكثر سهولة في الاستخدام، في الحد من أعباء إعداد التقارير، مع الارتقاء في الوقت نفسه بجودة المعلومات واتساقها وإمكانية الوصول إليها بالنسبة للدول الأعضاء وسائر الشركاء.
وفي الوقت نفسه، يواصل المنسقون المقيمون تعزيز تعاونهم مع الحكومات لإدماج نزاهة المعلومات في عمليات التخطيط الإنمائي. وتهدف هذه الجهود إلى التصدي للمخاطر الناجمة عن المعلومات المضللة، والمعلومات الزائفة، وخطاب الكراهية، مع دعم مشاركة عامة أكثر وعياً، وصنع سياسات يستند إلى معلومات موثوقة.
دعم مكمِّل
لا يقتصر أثر الابتكار على إحداث تحول في أساليب عمل الأمم المتحدة، بل يسهم أيضاً في دعم البلدان لتحقيق طموحاتها الإنمائية.
ففي منغوليا، أسهم دعم الأمم المتحدة في توسيع نطاق منصة "إي-منغوليا" الوطنية، مما أتاح إيصال الخدمات العامة الرقمية إلى المجتمعات المحلية في المناطق النائية، وحسّن إمكانية حصول المواطنين البعيدين عن المراكز الحضرية على الخدمات الحكومية.
وفي كازاخستان، أدى الربط مع منصة المساعدة التجارية العالمية (Global Trade Helpdesk) التابعة لمركز التجارة الدولية إلى تحسين إمكانية وصول أكثر من 12 ألف مستخدم إلى معلومات الأسواق، مما ساعد الشركات على الاستفادة من الفرص التجارية الإقليمية والعالمية، وأسهم في توفير السلع والخدمات الأساسية بأسعار أكثر قدرة على التحمل.
وفي طاجيكستان، عزز الدعم المقدم في إطاربرنامج عمل أوازا فرص العمل الرقمية وريادة الأعمال للشباب، بما يراعي خصوصية البلد بوصفه من البلدان غير الساحلية.
وفي بنما، نجح نظام المنسقين المقيمين وفريق الأمم المتحدة القطري في حشد أكثر من 80 مليون دولار لتعزيز التعليم التقني وربط التعليم بسوق العمل. كما تلقى أكثر من 50 ألف معلم، وللمرة الأولى، تدريباً منظماً في مجال الثقافة الرقمية، شمل إتاحة التعلم عبر الإنترنت والموارد المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية.
ومن توسيع نطاق الخدمات العامة الرقمية إلى فتح آفاق جديدة في مجالات التجارة، والعمل، والتعليم، تبرز هذه المبادرات وغيرها كيف يمكن للابتكار أن يُحدث أثراً ملموساً في حياة الناس.
التكيف مع عالم متغير
تواجه البلدان اليوم خيارات صعبة. فالتحديات الناجمة عن الضغوط المالية، والصدمات المناخية، والتغير التكنولوجي، والاحتياجات الإنمائية المتزايدة، تدفع الحكومات إلى التكيف مع واقع سريع التغير.
ومن خلال الاستثمار في تنمية المهارات الجديدة، وتعزيز القدرات الرقمية، والاستفادة من البيانات والابتكار، تعمل الأمم المتحدة على ضمان استمرار قدرتها على دعم البلدان في تحقيق أولوياتها الوطنية، بينما تواجه حالة عدم اليقين وتسعى إلى بناء مستقبل أكثر استدامة.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس النجاح بالأدوات نفسها، بل بما تمكّن البلدان من تحقيقه من مجتمعات أكثر قدرة على الصمود، وفرص أفضل، ومؤسسات أقوى، وحياة أفضل للناس الذين تخدمهم.
الأسئلة الشائعة
ما هي مبادرة الأمم المتحدة 2.0؟
تمثل مبادرة "الأمم المتحدة 2.0" رؤية الأمين العام لأمم متحدة أكثر مرونة وحداثة وجاهزية للمستقبل. وتهدف المبادرة إلى تزويد منظومة الأمم المتحدة بالمهارات، والأدوات، والعقلية اللازمة للاستجابة بفعالية للتحديات العالمية الناشئة. ويسترشد هذا التحول بخطة عمل الأمم المتحدة 2.0، التي توفر إطاراً مشتركاً لبناء قدرات جديدة في مختلف أنحاء المنظمة.
وفي جوهرها، تسعى مبادرة الأمم المتحدة 2.0 إلى دمج خمسة مجالات رئيسية، هي: البيانات، والتكنولوجيات الرقمية، والابتكار، والعلوم السلوكية، والاستشراف، في جميع جوانب عمل الأمم المتحدة، وذلك في إطار ثقافة مؤسسية تشجع على التعلم، والقدرة على التكيف، واستشراف المستقبل.
ما هو الاستعراض الشامل للسياسات الذي يُجرى كل أربع سنوات (QCPR)؟
الاستعراض الشامل للسياسات الذي يُجرى كل أربع سنوات (QCPR) هو عملية تجريها الجمعية العامة للأمم المتحدة لتوجيه الكيفية التي يدعم بها جهاز الأمم المتحدة الإنمائي البلدان في مسيرتها نحو تحقيق التنمية المستدامة. ويهدف هذا الاستعراض إلى:
- تقييم فعالية جهاز الأمم المتحدة الإنمائي.
- تحديد الأولويات التي ينبغي أن تسترشد بها وكالات الأمم المتحدة في عملها المشترك.
- تقديم التوجيه بشأن التمويل، والشراكات، والمساءلة، والدعم المقدم على المستوى القطري.
- توجيه الأنشطة الإنمائية للأمم المتحدة خلال السنوات الأربع التالية.
ويقدم الأمين العام بصورة منتظمة تقارير إلى الجمعية العامة بشأن تنفيذ الاستعراض الشامل للسياسات الذي يُجرى كل أربع سنوات وإصلاح جهاز الأمم المتحدة الإنمائي.
ما هي منصة UN INFO؟
تُعد منصة UN INFO المنصة الإلكترونية التابعة للأمم المتحدة للتخطيط، والرصد، وإعداد التقارير، وتتبع النتائج على مستوى جهاز الأمم المتحدة الإنمائي، وذلك على الصعد القطري والإقليمي والعالمي.
وقد أُطلقت هذه المنصة في إطار إصلاح جهاز الأمم المتحدة الإنمائي بهدف تعزيز الشفافية، والمساءلة، والتنسيق بين وكالات الأمم المتحدة.
اطّلع على تقرير رئيس مجموعة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2026 بشأن نظام تنسيق التنمية ونظام المنسقين المقيمين: التقرير/ النسخة التفاعلية عبر الإنترنت