صناعة الفارق: كيف تعيد المملكة العربية السعودية رسم ملامح الريادة في مجال المياه
تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها رائدة في مجال الحوكمة الفعّالة للمياه على الصعيد العالمي. وباعتبارها مملكة صحراوية شاسعة لا تتلقى أكثر من 100 مليمتر من الأمطار سنويًا، قد تتجاوز درجات الحرارة في المملكة العربية السعودية 50 درجة مئوية، وغالبًا ما يتزامن الجفاف مع موجات الحر الشديدة. وفي إطار سعيها إلى تحقيق رؤية 2030، تعمل المملكة على تنويع اقتصادها، والحد من اعتمادها على النفط، وتحسين جودة الحياة. ويأتي في صميم هذه الجهود إدراك واضح بأن المياه ليست ضرورية للصحة فحسب، بل تشكل أيضًا محركًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
خلال العقد الماضي، حققت المملكة العربية السعودية ما يلي:
- رفعت معدل إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة من 17 في المائة في عام 2019 إلى 30 في المائة في عام 2026، ولا تزال هذه النسبة في ازدياد.
- خفّضت متطلبات الطاقة لإنتاج المياه المحلّاة في المحطات الجديدة بأكثر من 50 في المائة.
- ضمنت معالجة 99 في المائة من مياه الصرف الصحي المجمّعة.
- أعادت استخدام أكثر من 33 في المائة من المياه المعالجة لأغراض الري والزراعة والصناعة.
ويقول محمد الزرقاني، المنسق المقيم للأمم المتحدة في المملكة العربية السعودية: «بدعم من الأمم المتحدة، لا تكتفي المملكة باستهلاك المياه، بل تعمل أيضًا على الحفاظ عليها وإعادة استخدامها وتحسين الاستفادة منها وتسخيرها على نحو أمثل».
وتعيد ضرورة الاستفادة من كل قطرة تشكيل الطريقة التي تنظر بها المملكة إلى هذا المورد الثمين، كما تقدم خارطة طريق للبلدان الساعية إلى إيجاد حلول لموجات الجفاف التي تزداد طولًا وتواترًا.
طموحات متدفقة
في عام 2018، أطلقت المملكة العربية السعودية الاستراتيجية الوطنية للمياه باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في رؤية 2030. وكان هدفها طموحًا وقابلًا للتحقيق في آن واحد: إقامة قطاع مياه مستدام، وحماية الموارد الطبيعية والبيئة في المملكة، مع توفير إمدادات فعّالة من حيث التكلفة وخدمات عالية الجودة.
ويتطلب التخطيط للمياه تحقيق توازن دقيق بين الاستفادة من تجارب شح المياه في الماضي، وتلبية الطلب الحالي، وتجنب التحديات المستقبلية والتنبؤ بها وإدارتها.
ولهذا السبب، أنشأت وزارة البيئة والمياه والزراعة مركزًا للمعلومات المائية يدمج، ضمن أدوات أخرى، الخرائط الرقمية وصور الأقمار الصناعية وأنظمة الرصد الوطنية، بهدف تعزيز عملية صنع القرار القائم على الأدلة. كما جرى ترسيخ استخدام أنظمة المعلومات المائية في المؤسسات الرئيسية، بدعم من توسيع نطاق المهارات التقنية وتطوير الخبرات السعودية في قطاع المياه.
ومع تعزيز الخبرات وتطوير التقنيات، وجّهت المملكة اهتمامها أيضًا إلى البنية التحتية اللازمة لاحتواء المياه ونقلها. وتحت إشراف الهيئة السعودية للمياه، بلغت قدرة المملكة على إنتاج المياه المحلّاة مستويات غير مسبوقة، إذ يُنتج يوميًا أكثر من 16 مليون متر مكعب من المياه عبر أكثر من 40 محطة، لتصبح صالحة للاستخدام والشرب.
وتضم المملكة العربية السعودية اليوم أكثر من 400 محطة لمعالجة المياه الجوفية والسطحية، كما يتجاوز طول خطوط أنابيب نقل المياه فيها 18,500 كيلومتر.
روابط عابرة للحدود في مجال المياه
امتدت طموحات المملكة أيضًا إلى الساحة الدولية، إذ سخّرت المياه لتعزيز التعاون الدولي من خلال شراكة الرياض العالمية لمقاومة الجفاف، والمنظمة العالمية للمياه، والمركز الدولي لأبحاث المياه.
أُطلقت شراكة الرياض العالمية لمقاومة الجفاف بوصفها مبادرة رائدة خلال الدورة السادسة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP16)، وهي بمثابة «منصة متكاملة» تربط 80 بلدًا معرضًا للجفاف بالموارد التقنية والتمويل وفرص تبادل المعارف اللازمة لبناء القدرة على الصمود. وفي مؤشر على مدى إلحاح هذه الجهود، جرى حتى الآن التعهد بأكثر من 12 مليار دولار لدعم الشراكة.
وتعمل المنظمة العالمية للمياه عبر أربع ركائز هي: البحث والابتكار، والبيانات وإعداد التقارير، والسياسات والحوكمة، والتمويل والاستثمار، بهدف توحيد جهود البلدان والمنظمات في مواجهة تحديات المياه الأوسع نطاقًا التي تتجاوز مسألة الجفاف. وفي الوقت نفسه، سيضطلع المركز الدولي لأبحاث المياه بدور مركز للمعرفة والبحوث يخدم صانعي القرار في قطاع المياه على الصعيد العالمي.
ويقول السيد الزرقاني: «تجسد المنصات الثلاث نهج المملكة في الدفع قدمًا بالحلول العملية لحوكمة المياه. فإحداها تقر بأن الجفاف واقع مستمر يستدعي تعزيز التأهب والقدرة على الصمود، فيما توفر المنصتان الأخريان إطارًا عالميًا للتعاون في مجالات الأمن المائي والحوكمة والابتكار. وهي تستجيب لتحديات اليوم، وفي الوقت نفسه تسهم في صياغة حلول الغد».
وقد سُلّط الضوء على هذه الجهود خلال الدورة الافتتاحية من أسبوع المياه السعودي التي استضافتها المملكة هذا الصيف، حيث اجتمع شركاء محليون وإقليميون ودوليون، من بينهم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالمياه وبمشاركة 180 متحدثًا وإبرام 38 شراكة واتفاقية، كان الأسبوع حافلًا بالأنشطة والإنجازات. كما سلّطت الجلسات المخصصة لكل منطقة من مناطق العالم الضوء على ما تواجهه من تحديات وما تزخر به من فرص فريدة.
زخم متنامٍ
تُوِّجت الاستراتيجية الوطنية للمياه في المملكة العربية السعودية، والتوسع في بنيتها التحتية، وشبكاتها القوية، بلحظة من التقدير الدولي في أحد أبرز المحافل العالمية لتبادل المعارف. فخلال المنتدى السياسي الرفيع المستوى الذي عُقد في نيويورك العام الماضي، اختيرت المملكة كواحدة من ثلاثة بلدان فقط لعرض تجربتها خلال الفعالية الخاصة بالهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، في انعكاس لتنامي الاعتراف العالمي بنهجها في مجال حوكمة المياه.
وفي المنتدى السياسي الرفيع المستوى لهذا العام، استعرضت المملكة العربية السعودية ما أحرزته من تقدم من خلال استعراضها الوطني الطوعي، مسلطةً الضوء على الفرص والتحديات في صيف شهد موجات حر خانقة.
رسم مسار المستقبل
كانت المملكة العربية السعودية تدرك أن تسرب المياه من الصنابير، ونضوب الخزانات، وجفاف التربة وتشقّقها ليست مخاطر بعيدة أو افتراضية. فنقص المياه موثّق على نطاق واسع في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وكذلك في مناطق كثيرة من العالم. غير أن حدة موجات الجفاف ومدتها وتواترها بلغت مستويات غير مسبوقة.
ويقول السيد الزرقاني: «في إطار رؤية المملكة 2030، أفضى تحدي ندرة المياه إلى زخم من الشراكات المنسقة والنمو، والأهم من ذلك كله، إلى إحداث آثار ملموسة في حياة الناس وسبل عيشهم».
وفي عالم بات فيه الأمن المائي تحديًا متزايد الإلحاح، تعمل المملكة العربية السعودية على ترسيخ مكانتها، ليس فقط من خلال التكيف مع هذا التحدي على الصعيد الوطني، بل أيضًا من خلال الإسهام في صياغة الاستجابة العالمية.
يرجى زيارة الموقع الإلكتروني لفريق الأمم المتحدة للاطلاع على مزيد من المعلومات حول عمل الأمم المتحدة في المملكة العربية السعودية.