سوريا: إحياء الزراعة في الغوطة الشرقية
كانت الغوطة الشرقية، التي عُرفت يوماً بـ "سلة غذاء دمشق"، تدعم المجتمعات المحلية منذ زمن طويل بفضل إنتاجها الزراعي الغني، حيث كانت توفر نحو 60 في المائة من أشجار الفاكهة و40 في المائة من الخضروات قبل اندلاع الأزمة. غير أن هذا المشهد قد شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي.
فقد أدى تغير المناخ إلى موجات جفاف مطولة وعدم انتظام هطول الأمطار، بما في ذلك انخفاض بنسبة 54 في المائة في معدلات الهطول خلال موسم 2024–2025، وهو الأسوأ منذ أربعين عاماً. وفي الوقت نفسه، تسببت الأزمة السورية في تضرر البنية التحتية، ونزوح المجتمعات المحلية، وإضعاف الخدمات الأساسية. كما أصبحت مصادر المياه شحيحة وملوثة، وتدهورت التربة، وأصبحت الزراعة أكثر صعوبة.
وعلى امتداد سوريا، شهدت غلات المحاصيل انخفاضاً حاداً. وفي الغوطة الشرقية، حيث كانت الزراعة تمثل ما يصل إلى 90 في المائة من دخل الأسر المعيشية، واجهت العديد من الأسر صعوبات كبيرة في التكيف مع هذه الظروف. فلجأ بعضها إلى ممارسات غير مستدامة، بينما اضطر البعض الآخر إلى هجر أراضيه. ومن ثم، أصبح إحياء القطاع الزراعي أمراً ضرورياً لحماية سبل العيش ودعم جهود التعافي.
جهود مشتركة لتعزيز القدرة على الصمود
استجابةً لهذه التحديات، أُطلق في أكتوبر/تشرين الأول 2021 مشروع متعدد الشركاء بعنوان: "تعزيز قدرة المجتمعات المحلية في الغوطة الشرقية بريف دمشق على الصمود في مواجهة تحديات ندرة المياه الناجمة عن تغير المناخ من خلال الإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية وتنفيذ تدخلات تكيفية فورية". وقد موّل صندوق التكيف المشروع، الذي نفذه برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة) بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي، وجمع بين وكالات الأمم المتحدة والشركاء الوطنيين لتقديم استجابة منسقة وعملية.
وتضمن المشروع ثلاثة مكونات متكاملة. ففي حين تولى موئل الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تنفيذ أنشطة الإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية، وإنشاء نظم إمدادات مياه قادرة على الصمود في وجه تغير المناخ للاستخدامات الحضرية والزراعية، قادت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) تنفيذ المكون الثالث، من خلال العمل مباشرة مع المزارعين لاستعادة سبل عيشهم عبر اعتماد ممارسات الزراعة الذكية مناخياً، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتنويع فرص توليد الدخل.
ونُفذ المشروع في بلديات المليحة وزبدين ودير العصافير ومرج السلطان والمجتمعات المحلية التابعة لها، حيث استفاد منه بصورة مباشرة 30,940 شخصاً، من بينهم 30 في المائة من النساء والشباب، بينما استفاد منه بصورة غير مباشرة نحو 145,000 شخص.
تحويل الممارسات واستعادة الإنتاجية
عملت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) مباشرة مع المزارعين لتعزيز قدرتهم على التكيف والحفاظ على الإنتاج في ظل تزايد الضغوط البيئية والاقتصادية. ولمعالجة ندرة المياه، أُدخلت تقنيات حديثة للري وحلول تعتمد على الطاقة المتجددة، بما في ذلك إعادة تأهيل بئر للمياه الجوفية مزود بمضخات تعمل بالطاقة الشمسية، استفاد منه ثمانية مزارعين. وبشكل إجمالي، ساهمت 400 منظومة ري في تحسين كفاءة استخدام المياه عبر مساحة 90 هكتاراً. كما أتاح إصلاح الجرارات وآلات التسوية بالليزر تسوية 200 هكتار من الأراضي، مما أسهم في الحد من فاقد المياه، إلى جانب الترويج لزراعة المصاطب المرتفعة.
ولدعم الإدارة الرشيدة للموارد المائية، جرى تركيب أنظمة للرصد شملت محطة مناخية، ومقياساً لتدفق المجاري المائية، وشبكة لرصد المياه الجوفية. وفي الوقت نفسه، تلقى 138 فنياً وفنية، شكلت النساء 30 في المائة منهم، تدريباً على تشغيل هذه الأنظمة وصيانتها، بما عزز القدرات التقنية على المستوى المحلي.
وشكلت الزراعة الذكية مناخياً محوراً أساسياً في هذا التدخل. فمن خلال مدارس المزارعين الحقلية، اعتمد 514 مزارعاً وفنياً ممارسات من بينها تناوب المحاصيل، وتحسين إدارة التربة، واستخدام محاصيل مقاومة للجفاف، وتطبيق تدابير للتصدي لموجات الحر والأمراض المرتبطة بالمناخ التي تصيب الثروة الحيوانية، مما عاد بالنفع على 2,600 أسرة معيشية. كما جرى تنظيم ورشة عمل لتوثيق الدروس المستفادة لتحديد أكثر الممارسات اعتماداً، ثم توسيع نطاق تطبيقها من خلال تدريب 390 مزارعاً ومربياً للثروة الحيوانية إضافيين، وتزويدهم بالمدخلات الأساسية.
كما أعيد تأهيل مشتل خرابو، الذي ينتج حالياً نحو 13,000 شتلة مقاومة سنوياً. وإلى جانب توزيع 56,000 شجرة مثمرة على 700 مزارع، يسهم هذا الجهد في استعادة البساتين وتعزيز سبل العيش على المدى الطويل.
تمكين المجتمعات المحلية والنساء
وضع المشروع الإنسان في صميم نهجه، حيث مثلت النساء 30 في المائة من المستفيدين، وشاركن بفاعلية في أنشطة التدريب، واتخاذ القرار، والمبادرات المجتمعية. كما تلقى 900 أسرة معيشية تدريباً على إدارة مخلفات المحاصيل، وتحويل النفايات الزراعية إلى سماد عضوي وأعلاف للثروة الحيوانية، مما ساهم في الحد من ممارسات الحرق الضارة، وفي الوقت نفسه أوجد فرصاً عملية لتوليد الدخل.
وكان تمكين المرأة أحد أبرز نتائج المشروع. فقد تلقت 70 امرأة تدريباً في مجال مهارات الأعمال الزراعية، فيما حصلت 12 امرأة على منح لإنشاء مشاريع صغيرة، شملت تصنيع الأغذية وأنشطة الزراعة المستدامة، بما أسهم في تعزيز دخل الأسر المعيشية وقدرتها على الصمود.
وتُعد ريما الصالح، وهي مزارعة والمعيلة الرئيسية لأسرتها، مثالاً على أثر المشروع. فقد التحقت في عام 2023 بإحدى مدارس المزارعين الحقلية المعنية بالزراعة القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، حيث اكتسبت مهارات في إنتاج السماد العضوي، وتصنيع المبيدات العضوية، وتطبيق ممارسات الزراعة الذكية مناخياً. وطبقت هذه الممارسات لتحسين إنتاجية محاصيلها، ثم أنشأت مشروعاً متناهي الصغر لإنتاج الأغذية السورية التقليدية، مثل المخللات والمربيات. وهي تعمل اليوم مع أفراد أسرتها على زراعة الفواكه والخضروات الخالية من المواد الكيميائية، كما أصبحت مدربة محلية تنقل معارف الزراعة المستدامة إلى نساء أخريات.
وبالتوازي مع ذلك، أُنشئت جمعيات مستخدمي المياه لإدارة نظم الري. ومن خلال إسناد مسؤولية الإدارة إلى المجتمعات المحلية، تسهم هذه الجمعيات في تعزيز الإنصاف في الحصول على المياه، ودعم استدامة نتائج المشروع على المدى الطويل.
تحقيق النتائج في ظل الأزمات
على الرغم من موجة الجفاف الشديدة التي شهدها موسما 2024–2025 واستمرار الضغوط الاقتصادية، بدأ المزارعون في الغوطة الشرقية يلمسون نتائج ملموسة. فقد أُديرت الأراضي الزراعية التي كانت تعاني سابقاً من ندرة المياه بكفاءة أكبر، مما أدى إلى تحقيق محاصيل أكثر استقراراً وموثوقية.
واعتمد أكثر من 2,600 أسرة معيشية ممارسات الزراعة الذكية مناخياً، في حين نجحت 900 أسرة في تنويع مصادر دخلها. وبالتوازي مع ذلك، تلقى أكثر من 138 فنياً وفنية تدريباً على تشغيل وصيانة التقنيات الموفرة للمياه. وأثبتت نظم الري العاملة بالطاقة الشمسية فعالية خاصة، إذ مكّنت المزارع من مواصلة الإنتاج رغم الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وارتفاع تكاليف الوقود.
ولم يقتصر أثر المشروع على الأرقام فحسب، إذ تمكن المزارعون، في بعض الحالات، من خفض تكاليف المدخلات الزراعية بنسبة وصلت إلى 60 في المائة، مما أتاح لهم إعادة الاستثمار في أراضيهم. كما أكد تقييم خارجي أن العديد من هذه الممارسات يُرجح استمرار تطبيقها على المدى الطويل.
توسيع نطاق الأثر
شكّل تبادل المعارف عنصراً محورياً في نجاح المشروع. فقد أسهمت الدراسات الأولية والتقييمات الفنية في ضمان استجابة التدخلات للاحتياجات المحلية، فيما أتاحت ورش العمل للمزارعين والمؤسسات والشركاء تبادل الحلول العملية والدروس المستفادة.
وعند اختتام المشروع في سبتمبر/أيلول 2025، تجاوزت نتائجه حدود الحقول الزراعية. فقد نُقلت الأنظمة والمسؤوليات إلى المؤسسات الوطنية وجمعيات مستخدمي المياه، بما يضمن استمرارية الجهود. وأصبحت الدروس المستفادة من تجربة الغوطة الشرقية تسهم اليوم في توجيه جهود منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) الأوسع نطاقاً لدعم التعافي في مختلف أنحاء سوريا. ورغم استمرار التحديات، تؤكد هذه التجربة أن تزويد المجتمعات المحلية بالأدوات المناسبة والمعارف اللازمة يمكّنها من التكيف، وإعادة البناء، والمضي قدماً بثقة أكبر.
نُشرت هذه القصة لأول مرة على الموقع الإلكتروني لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). يرجى زيارة موقع فريق الأمم المتحدة الإلكتروني لمزيد من المعلومات حول عمل الأمم المتحدة في سوريا.