الأمم المتحدة 2.0 على أرض الواقع: بناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ في ليبيا
من ارتفاع درجات الحرارة إلى تزايد شحّ المياه، يرسل كوكبنا إشارات تحذير واضحة.
في جميع أنحاء العالم، يفرض تغيّر المناخ ضغوطًا متزايدة على النظم البيئية والمجتمعات، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة وجماعية.
في ليبيا، تتم مواجهة هذه التحديات من خلال حلول مبتكرة قائمة على البيانات ومرتكزة على القيادة المحلية—وهو ما يعكس طموح رؤية الأمم المتحدة 2.0 في تقديم نتائج أكثر ذكاءً وفعالية للناس.
إن الحاجة الملحّة واضحة. تُظهر بيانات الأمم المتحدة والتقييمات العلمية أن انبعاثات غازات الدفيئة العالمية بلغت نحو 58 مليار طن في عام 2024، بينما ارتفعت درجات الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. ومن دون اتخاذ إجراءات أقوى، قد ترتفع درجات الحرارة بشكل أكبر خلال هذا القرن، مما يزيد من المخاطر على الاقتصادات والنظم البيئية والحياة اليومية للناس.
في ليبيا، تؤثر هذه الضغوط بالفعل على الحياة اليومية. فشحّ المياه، وارتفاع درجات الحرارة، وعدم استقرار إمدادات الطاقة، والضغط على الخدمات العامة، كلها عوامل تؤثر على كيفية عيش المجتمعات وتكيفها.
يدعم فريق الأمم المتحدة في ليبيا الجهود الرامية إلى تعزيز القدرة على التكيف، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوسيع نطاق الحلول العملية، بما يساعد المجتمعات على التكيف مع بيئة متغيرة.
تحسين الأمن المائي والخدمات
كان الأمن المائي محورًا رئيسيًا لجهود مدعومة من الأمم المتحدة في عام 2025، حيث ساهمت الحلول المبتكرة والذكية مناخيًا في توسيع نطاق الوصول إلى المياه في مختلف أنحاء ليبيا.
في المناطق التي تعاني من شحّ المياه، حصل 642,600 شخص على إمكانية الوصول إلى أنظمة مائية أكثر موثوقية وقدرة على التكيف مع تغير المناخ. كما ساهمت 40 منظومة ضخ ومعالجة تعمل بالطاقة الشمسية في تقليل الاعتماد على الوقود ونقل المياه بالصهاريج، وأصبح أكثر من نصف المستفيدين يحصلون على المياه عبر الطاقة المتجددة.
وقد أدت هذه التغييرات إلى توفير مياه أكثر استقرارًا، وخفض التكاليف، وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف.
في يفرن، استفاد 49,000 نسمة—أكثر من نصفهم من النساء—من استعادة أنظمة المياه، كما مكّنت أساليب التخطيط الجديدة من إيصال المياه مباشرة إلى المناطق الحضرية.
"سيتيح تركيب هذه المضخات إيصال المياه مباشرة إلى وسط المدينة، مما يقلل الاعتماد على صهاريج المياه ويخفض تكاليف السكان."
— حسين كافو، عميد بلدية يفرن 2025
في القطرون، أعادت الآبار المُعاد تأهيلها وصول المياه إلى 75٪ من السكان. وفي مدن جنوبية تواجه ضغوطًا بيئية متزايدة ونقصًا في الخدمات—بما في ذلك أوباري وغات والقطرون والكفرة والبركت—حسّنت الأنظمة العاملة بالطاقة الشمسية الوصول إلى المياه للأسر وسبل العيش الزراعية، من خلال دعم المزارعين، وتعزيز أنظمة الري، وزيادة إنتاجية مزارع النخيل.
وفي جنوب ليبيا، تجمع المشاريع المتكاملة بين توفير المياه وحلول الطاقة المتجددة. ففي غات وتهالة وأوباري والبركت والعوينات وسبها، ساهمت الأنظمة الشمسية، ووحدات تحلية المياه، والآبار المُعاد تأهيلها في تحسين الوصول إلى المياه وتقليل الاعتماد على الوقود. كما شملت هذه الجهود تدريب أكثر من 100 فني محلي، مما ساعد المجتمعات على إدارة الأنظمة وصيانتها وتعزيز الاستدامة على المدى الطويل.
تعزيز الأنظمة الوطنية للمناخ
بالتوازي مع تحسين الخدمات، تعمل ليبيا على تعزيز إدارة مخاطر المناخ.
في عام 2025، اعتمدت ليبيا استراتيجية وطنية لإدارة الجفاف، كما أحرزت تقدمًا في إعداد استراتيجية للأمن المائي للتخطيط بشكل أفضل لمواجهة النقص المستقبلي. كما تم تعزيز القدرات التقنية، حيث يستخدم المختصون أدوات جغرافية مكانية لمراقبة مخاطر المياه ودعم اتخاذ القرار.
كما ساهم دعم الأمم المتحدة في تعزيز الاستعداد وتحليل المخاطر المرتبطة بالمناخ. فقد زوّدت تدريبات متخصصة في البيضاء وطرابلس ومصراتة وغات وسبها، 180 من عناصر هيئة السلامة الوطنية بمهارات عملية في إنقاذ ضحايا الفيضانات والاستجابة للطوارئ. وفي الوقت نفسه، ساعد جمع البيانات وتحليلها وبناء القدرات الجهات الوطنية والمحلية على فهم أفضل لتأثير الضغوط البيئية على سبل العيش، والتنقل، والتماسك الاجتماعي، واستقرار المجتمعات.
كما اتخذت ليبيا خطوات مهمة على الصعيد الدولي. فبدعم من الأمم المتحدة، أنجزت أول جرد وطني لانبعاثات الكربون، وتقدمت في إعداد المساهمة المحددة وطنيًا (NDC) في إطار اتفاق باريس، كما أحرزت تقدمًا نحو الوصول إلى التمويل المناخي الدولي.
"يمكّن هذا العمل المؤسسات من الوصول إلى التمويل المناخي وتنفيذه بفعالية."
— مصطفى سليمان، نقطة الاتصال لصندوق المناخ الأخضر، وزارة البيئة
تعكس هذه الجهود تحولًا متزايدًا نحو اتخاذ قرارات مبنية على البيانات والتخطيط المستقبلي، بما يتماشى مع أولويات الأمم المتحدة 2.0.
تحسين الإدارة البيئية
تم تحقيق تقدم أيضًا في مجال الإدارة البيئية، حيث اعتمدت 70 جهة وطنية وبلدية أنظمة موحدة لتتبع النفايات، مما أدى إلى إنشاء أول قاعدة وطنية موثوقة للتخطيط في هذا المجال، ومكّن من اتخاذ قرارات أكثر استنارة.
كما يُعد تحسين إدارة مياه الصرف الصحي مجالًا مهمًا للعمل، حيث يمكن أن يسهم في تقليل المخاطر البيئية مثل تلوث الموارد المائية، والمساهمة في التخفيف من آثار تغير المناخ عبر تقليل انبعاثات الميثان.
وعلى المستوى المحلي، تم تأهيل مرافق أساسية للمياه والصرف الصحي والنظافة، مما ساهم في تحسين الظروف الصحية العامة. كما دعمت مبادرات مبكرة جهود إعادة التدوير والحد من النفايات، مما أسهم في إرساء أسس اقتصادات محلية أكثر استدامة.
ومن الأمثلة على ذلك شركة REC لإعادة التدوير في درنة، والتي أعادت بناء نشاطها بعد فقدان معداتها وأصولها خلال فيضانات عاصفة دانيال عام 2023.
تقوم الشركة اليوم بجمع وإعادة تدوير مخلفات البناء، والأشجار المتضررة، والنفايات العضوية، وتحويلها إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام تدعم الاقتصاد الدائري. وبدعم من الأمم المتحدة، تمكنت الشركة من استئناف عملياتها ومواصلة عملها البيئي.
"كما نمنح المواد المهملة حياة ثانية، كان علينا أن نمنح أنفسنا الفرصة نفسها للبدء من جديد." كما توضح الشريكة المؤسسة صفية
تُبرز تجربة الشركة الدور المتنامي لريادة الأعمال الخضراء في تعافي ليبيا، من خلال خلق فرص عمل وتحويل التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية.
إشراك المجتمعات والشباب
تلعب المجتمعات—وخاصة الشباب—دورًا متزايدًا في دفع الحلول المحلية.
في عام 2025، شارك 60,000 طفل وشاب في مبادرات مناخية رقمية، بينما أسهمت حملات تنظيف في أبو سليم وسوق الجمعة ووسط طرابلس في تعبئة أكثر من 600 متطوع، وإزالة نحو 9 أطنان من النفايات. كما وصلت برامج التوعية إلى 3,000 طالب ومعلم.
تُظهر هذه المبادرات كيف يساهم الابتكار المحلي ومشاركة المجتمعات في دفع الحلول على أرض الواقع.
"ما بدأ كورش عمل وحملات تنظيف تحول إلى نقاش أوسع حول المسؤولية والعمل المحلي."
— زاهية فرج، منظمة "Why Me
وفي عام 2026، جمعت مبادرة EcoVision: تحدي الابتكار البيئي في ليبيا أكثر من 300 شاب من مختلف أنحاء البلاد، حيث دعمت ورش العمل في بنغازي وسبها وطرابلس تطوير حلول عملية للتحديات البيئية.
ركّزت المشاريع على مجالات مثل الزراعة الذكية مناخيًا، وتقنيات توفير المياه، والحد من هدر الغذاء—مما يبرز كيف يمكن للابتكار المحلي دعم القدرة الوطنية على التكيف.
"وفرت EcoVision فرصًا حقيقية لتحويل أفكارنا إلى حلول وألهمتنا لإحداث التغيير." قال أحد المشاركين
تُظهر هذه الجهود تحولًا مهمًا: فالشباب لا يكتفون برفع الوعي، بل يساهمون في تصميم وقيادة الحلول المناخية.
جهد جماعي
تعكس هذه النتائج العمل المشترك بين منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، واليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، بالتعاون الوثيق مع المؤسسات والمجتمعات الليبية.
ورغم استمرار ارتفاع الانبعاثات العالمية، فإن تحقيق التقدم ممكن—لكن يجب أن يتم بوتيرة أسرع. وفي ليبيا، يتطلب ذلك الاستمرار في الاستثمار في الحلول العملية: أنظمة المياه الموثوقة، والطاقة المتجددة، والمؤسسات القوية، والمجتمعات النشطة.
من العمل إلى الأثر
الرسالة واضحة: العمل المناخي يحقق نتائج ملموسة—سواء من خلال توفير مياه موثوقة للأسر، أو تحسين الخدمات للمجتمعات، أو خلق فرص للشباب لصياغة مستقبلهم.
في ليبيا، تُظهر هذه الجهود كيف تُترجم رؤية الأمم المتحدة 2.0 إلى إجراءات عملية—من خلال الجمع بين الابتكار والبيانات والشراكات لتحقيق نتائج أقوى وأكثر قدرة على الصمود.
ويظل فريق الأمم المتحدة في ليبيا ملتزمًا بالعمل مع الشركاء الوطنيين والمحليين لحماية البيئة، وتعزيز القدرة على التكيف، وضمان أن يترجم العمل المناخي إلى تحسينات ملموسة في حياة الناس.
نُشِرت هذه القصة لأول مرة على الموقع الرسمي للأمم المتحدة في ليبيا. يرجى زيارة موقع فريق الأمم المتحدة الإلكتروني لمزيد من المعلومات حول عمل الأمم المتحدة في ليبيا.