أرض آمنة، مستقبل حقيقي: دعم العمل الوطني لإزالة الألغام لتسريع التنمية في سوريا
بينما يحتفل العالم باليوم الدولي للتوعية بالألغام والمساعدة في العمل المتعلق بالألغام في 4 أبريل، تتجه الأنظار إلى حقيقة لا تزال تُؤثر على الحياة اليومية في جميع أنحاء سوريا: التقدم أبطأ على الأراضي غير الآمنة. فالألغام والذخائر غير المنفجرة تُقيّد أماكن سكن الناس وعملهم واستثمارهم في مستقبلهم. إن تطهير هذه الأراضي لا يقتصر على السلامة فحسب، بل يهدف أيضاً إلى تمكين التنمية وتسريع التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
تُشكّل هذه الرسالة جوهر فيلم "لا مزيد من الألغام في سوريا"، وهو فيلم وثائقي جديد صدر بدعم من الأمم المتحدة في سوريا بالتزامن مع اليوم الدولي للألغام. يُسلّط الفيلم الضوء على كيفية تعاون المؤسسات الوطنية والمجتمعات المحلية والأفراد على أرض الواقع لجعل الأرض آمنة من جديد، حيث يدعم فريق الأمم المتحدة القطري هذه المبادرة لتعزيز القدرات وإتاحة فرص التنمية.
تُعبّر ناتالي فوستير، المنسقة المقيمة المؤقتة للأمم المتحدة ومنسقة الشؤون الإنسانية في سوريا، عن الهدف من هذا الجهد الجماعي قائلةً: "لا يمكن أن يزدهر تعافي سوريا على أرض غير آمنة. إن إزالة الألغام أكثر من مجرد إنقاذ للأرواح، فهي شرط أساسي وعامل تمكين رئيسي للاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية".
في جميع أنحاء البلاد، يستمر انعدام الأمن الجسدي في التسبب بضياع الفرص. فالأراضي الزراعية الخصبة مهجورة، والأسواق المحلية لا تستطيع إعادة فتح أبوابها بالكامل، والمدارس والعيادات وشبكات المياه لا تزال معطلة حتى يتم إعلان المناطق المحيطة آمنة. وبالنسبة للعائلات العائدة بعد سنوات من النزوح، يبقى القلق بشأن الأماكن الآمنة للمشي أو العمل أو السماح للأطفال باللعب مصدر قلق يومي.
يركز الفيلم الوثائقي على التغييرات التي تحدث عند إزالة هذا الحاجز.
في المناطق الريفية، تُمكّن الأراضي المُستصلحة المزارعين من العودة إلى حقولهم وزراعة الغذاء لعائلاتهم وللأسواق المحلية. وهذا يُعزز الأمن الغذائي ودخل الأسر بشكل مباشر خلال فترة تسعى فيها المجتمعات جاهدةً لاستعادة استقرارها الاقتصادي. أما في المدن، فتُعيد الطرق المُستصلحة ربط الأحياء بالأسواق والمدارس والمراكز الصحية. وتُفتح المتاجر الصغيرة وورش العمل أبوابها من جديد، مما يُوفر فرص عمل ويُعيد تنشيط سلاسل التوريد المحلية. ويعود الآباء لإرسال أطفالهم إلى مباني المدارس التي كانت مهجورة، مما يُعيد الروتين والحياة الطبيعية إلى الحياة الأسرية.
هذه التغييرات، وإن كانت محلية، إلا أنها تحويلية. فهي تُظهر كيف يدعم العمل المتعلق بالألغام أهداف التنمية المستدامة المتعددة في آن واحد: من القضاء على الفقر والجوع إلى تعزيز العمل اللائق والتعليم والصحة والمجتمعات المسالمة. فالأرض الآمنة تُمكّن الناس من اتخاذ قرارات طويلة الأجل: الاستثمار وإعادة البناء والبقاء.
بقيادة المنسق المقيم، يعمل فريق الأمم المتحدة في سوريا كفريق واحد لدعم جهود إزالة الألغام التي تقودها الدول، باعتبارها أساساً للتنمية الشاملة. ومن خلال مواءمة جهود إزالة الألغام مع أولويات التعافي الوطنية وخطط التنمية المحلية، تضمن الأمم المتحدة تحقيق فوائد طويلة الأمد في كل منطقة يتم تطهيرها. ويعكس هذا النهج رؤية الأمين العام للأمم المتحدة "الأمم المتحدة 2.0": التركيز على الأثر، والعمل عبر القطاعات، ودعم الحلول التي تقودها الدول بطريقة أكثر تماسكاً.
يُعزز توقيت إصدار الفيلم الوثائقي شعار اليوم الدولي لعام 2026: "استثمر في السلام؛ استثمر في مكافحة الألغام". فعلى الصعيد العالمي، لا تزال الألغام ومخلفات الحروب المتفجرة تحصد الأرواح وتُعيق التنمية حتى بعد انتهاء النزاعات بفترة طويلة. في المتوسط، يُقتل أو يُصاب شخص ما جراء عبوة ناسفة كل ساعة، ويواجه الأطفال خطراً أكبر.
في سوريا، يُعدّ الاستثمار في إزالة الألغام استثمارًا في السلام والتنمية معًا. فهو يُعيد الكرامة من خلال تمكين الناس من التنقل بحرية وأمان، ويدعم المؤسسات الوطنية في تقديم الخدمات وإدارة الأراضي بمسؤولية، ويُقلّل من المخاطر التي قد تُقوّض جهود التعافي على المدى البعيد.
كما يُؤكّد الفيلم الوثائقي على أهمية الشراكة، حيث تُساهم السلطات الوطنية والمنظمات المحلية والمجتمعات والشركاء الدوليون في الحدّ من التلوث وإنشاء بيئات آمنة للتنمية. ويُساعد دعم الأمم المتحدة في ربط هذه الجهود وبناء القدرات وضمان أن يكون التقدم شاملًا ومستدامًا.
والأهم من ذلك، أن القصة تُروى من خلال تجارب الناس لا من خلال الخطابات السياسية. يرى المشاهدون كيف يؤثر الأمن على حياتهم اليومية وسبل عيشهم وخططهم المستقبلية. وبذلك، يُجسّد الفيلم أهداف التنمية المستدامة، لا كأهداف مجردة، بل كتحسينات حقيقية في حياة الناس.
بينما تواصل سوريا مسيرتها نحو التعافي، تبرز رسالة واضحة: التنمية تبدأ حيث يشعر الناس بالأمان الكافي للاستثمار في المستقبل. إزالة الألغام لا تمثل نهاية المطاف، بل بداية فرصة جديدة.
في هذا اليوم الدولي للتوعية بالألغام والمساعدة في العمل المتعلق بالألغام، تُذكّرنا حملة "لا مزيد من الألغام في سوريا" بأن دعم العمل الوطني لإزالة الألغام يتجاوز مجرد تطهير الأرض، فهو يتعلق بتهيئة الظروف اللازمة لترسيخ السلام ونمو التنمية المستدامة.
تعرّف على المزيد حول عمل الأمم المتحدة في سوريا على موقع فريق الأمم المتحدة الإلكتروني.